جاري تحميل القضية...

ابحث في القضايا

اضغط Enter للبحث أو Esc للإغلاق

كنوز مفقودة

كنز رومل المفقود: هل يقبع في سواحل الإمارات؟

· · 1 دقيقة قراءة · 7 مشاهدة

مكالمة من الماضي: عندما يطفو التاريخ على السطح

“999، ما هي حالة الطوارئ؟”
الصوت على الطرف الآخر كان لاهثاً، مشوباً بمزيج من الذهول والخوف. “أنا… أنا على شاطئ العقة في الفجيرة. هناك شيء غريب جرفته الأمواج. يبدو… يبدو كصندوق معدني قديم، وعليه… يا إلهي، عليه صليب معقوف!”

كانت تلك المكالمة في أمسية هادئة من نوفمبر 2023 هي الشرارة التي أضاءت فتيل قضية أقدم من عمر الدولة نفسها. لم يكن المتصل، وهو سائح أوروبي، يدرك أنه لم يعثر على مجرد قطعة خردة منسية، بل على مفتاح يفتح قبو أرشيف بارد، ويُطلق العنان لشبحين من الماضي: شبح غواصة نازية غرقت في ظروف غامضة، وشبح غواص لؤلؤ إماراتي ابتلعه البحر وهو يطارد حلماً من ذهب.

في قسم القضايا غير المحلولة، نُفض الغبار عن ملفين تفصل بينهما خمسة عشر عاماً، لكنهما يرتبطان بخيط أرفع من خيوط العنكبوت وأقوى من سلاسل الفولاذ. الملف الأول يحمل اسم “U-533”. والثاني، اسم رجل: “سعيد المنصوري – مفقود”. على الطاولة، وتحت ضوء المصباح البارد، بدأت القصة تتكشف، قصة كنز رومل المفقود الذي قد لا يكون مدفوناً في رمال الصحراء المصرية، بل في الأعماق المظلمة لمياه الخليج.

ملف القضية الأولى: شبح U-533 وكنز رومل المفقود

لنعد بالزمن إلى عام 1943. العالم يحترق بنيران الحرب العالمية الثانية. في شمال أفريقيا، كان الجنرال الألماني إرفين رومل، الملقب بـ”ثعلب الصحراء”، قد مُني بهزائم متتالية، وبدأ أسطورته في التآكل. لكن أسطورة أخرى كانت قد وُلدت للتو: أسطورة كنزه الضائع. قيل إنه جمع أطناناً من الذهب والمجوهرات والتحف الفنية التي نهبها الفيلق الأفريقي، وأنه خبأها في مكان سري قبل هزيمته النهائية.

الباحثون عن الكنوز نقّبوا في كل كهف وصحراء من تونس إلى مصر، لكن ماذا لو كان رومل أكثر دهاءً مما ظنوا؟ ماذا لو قرر إرسال جزء من كنزه شرقاً، بعيداً عن أعين الحلفاء، ربما باتجاه حلفائهم اليابانيين؟ هنا يدخل ملفنا الأول إلى الصورة.

ماذا تقول قصاصات الأرشيف؟

بين أوراق ملف “U-533″، نجد قصاصة من “الخليج جازيت”، وهي نشرة إخبارية بريطانية كانت تصدر في المنطقة، بتاريخ 20 أكتوبر 1943. الخبر مقتضب ومكتوب بلغة عسكرية جافة:

“أغرقت طائرة تابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني غواصة ألمانية من طراز U-boat في خليج عمان، على بعد حوالي 25 ميلاً بحرياً من سواحل الفجيرة. لم يتم رصد أي ناجين. يُعتقد أن الغواصة كانت في مهمة دورية لاستهداف سفن الحلفاء التجارية.”

هذه هي الرواية الرسمية. غواصة في مهمة روتينية، تم رصدها وإغراقها. قضية مغلقة. لكن خلف هذا الخبر، تكشف وثائق أخرى رفُعت عنها السرية بعد عقود عن تفاصيل مثيرة للقلق. برقية مشفرة أُرسلت من قيادة الأسطول البريطاني في الهند تشير إلى أن “الشحنة المستهدفة ذات طبيعة غير اعتيادية”. تقرير طيار المقاتلة التي أغرقت الغواصة، الملازم ألفرد شيد، يذكر أنه رأى “انفجاراً ثانوياً عنيفاً بشكل غير مألوف” بعد إصابة الغواصة، كما لو أنها كانت تحمل شيئاً أكثر من مجرد طوربيدات.

الحقيقة التاريخية أن الغواصة U-533 كانت موجودة بالفعل، وغرقت بالفعل في ذلك الموقع. لكن لغز شحنتها ظل مجرد همسات في دوائر الاستخبارات. هل كانت تحمل حقاً جزءاً من كنز رومل المفقود في رحلة سرية نحو الشرق الأقصى؟ لسنوات، ظلت هذه الفكرة مجرد نظرية هامشية، حكاية يرويها البحارة العجائز في موانئ مسقط ودبي، عن غواصة الأشباح التي تحرس ذهباً ملعوناً في قاع البحر.

[صورة: رسم توضيحي لغواصة U-boat ألمانية من طراز IXC/40 تظهر نصفها تحت الماء في مياه الخليج الصافية، مع شعاع شمس يخترق السطح.]

ملف القضية الثانية: غوصة اللؤلؤ الأخيرة

نقفز بالزمن إلى الأمام. عام 1958. لم تعد أصوات انفجارات الحرب العالمية الثانية تُسمع، وحلت محلها أصوات محركات سفن صيد اللؤلؤ التقليدية (البوانيش). كانت الإمارات، التي عُرفت آنذاك بـ”الساحل المتصالح”، على وشك أن تتغير إلى الأبد مع اكتشاف النفط، لكن في تلك الفترة، كان البحر لا يزال هو مصدر الرزق والحياة… والموت.

هنا يظهر اسم سعيد المنصوري في السجلات. لم يكن مجرد غواص، بل كان “نوخذة” أسطورياً. رجل قيل إنه يستطيع حبس أنفاسه لدقائق تبدو كالأبدية، وعيناه تريان في عتمة الأعماق ما لا يراه غيره. قصص شجاعته وقدرته على جلب أثمن اللآلئ (الدانات) كانت تتردد في كل مجالس المنطقة.

لكن في أحد أيام الصيف الحارقة، عاد سعيد من غوصة غيرت كل شيء. لم تكن في يده لؤلؤة، بل شيء آخر.

القطعة التي لم تكن لؤلؤة

تقرير الشرطة المحلية آنذاك، والذي كان يديره ضابط بريطاني، يروي شهادة زميله الوحيد على القارب، رجل يدعى “حمد”. قال حمد إن سعيداً صعد على متن القارب بعد غوصة طويلة بشكل استثنائي في منطقة نائية، معروفة بتياراتها المائية الخطرة، وهي نفس المنطقة التي غرقت فيها U-533 قبل 15 عاماً. لم يكن سعيداً كعادته، بل كان وجهه شاحباً وعيناه زائغتين.

فتح يده ببطء. لم تكن فيها محارة، بل سبيكة معدنية صغيرة، أثقل بكثير مما يوحي به حجمها، صفراء لامعة بشكل غريب. حسب شهادة حمد، كانت السبيكة منقوشة برموز لم يرها من قبل: نسر يقبض على صليب معقوف، وأرقام دقيقة.

من شهادة حمد بن سالم (مترجمة من تقرير الشرطة الأصلي):
“قال لي: ‘وجدته يا حمد… وجدت الكنز الذي يتحدث عنه الأجداد. إنه ليس أسطورة’. كان يرتجف، ليس من البرد، بل من شيء آخر. قلت له أن هذا الشيء يبدو شريراً، وأن علينا أن نرحل. لكنه لم يستمع. قال: ‘سأعود لغوصة أخيرة. واحدة فقط. وسنصبح أغنى من تجار الهند’. ربط الحبل حول خصره، ووضع الفطام على أنفه، وغاص مرة أخرى في الماء الأزرق الداكن. وانتظرت… وانتظرت… لكن الحبل ارتخى، ولم يصعد سعيد أبداً.”

اختفى سعيد المنصوري. لم يُعثر على جثته قط. السلطات اعتبرت الحادثة غرقاً مأساوياً، فالبحر غدار والغوص محفوف بالمخاطر. أما قصة السبيكة الذهبية، فقد اعتبروها هلوسات من رجل أصابه هول فقدان صديقه. لم يتم العثور على أي سبيكة على القارب. اختفت هي الأخرى، أو ربما لم تكن موجودة إلا في خيال حمد.

الخيط الرفيع: كيف يربط صندوق صدئ بين غواصة نازية وغواص إماراتي؟

نعود إلى حاضرنا، إلى المختبر الجنائي في أبوظبي. الصندوق الذي عثر عليه السائح على شاطئ الفجيرة لم يكن مجرد خردة. بعد إزالة الصدأ والترسبات البحرية، وجد الخبراء بداخله بقايا أوراق متحللة، وأداة سدس (Sextant) نحاسية ألمانية الصنع، من النوع الذي كان يُستخدم حصراً في غواصات الكريغسمارينه (البحرية الألمانية). الأرقام التسلسلية عليها طابقت سجلات إحدى الأدوات المفقودة من الغواصة U-533.

لسبب ما، انفصل هذا الصندوق عن حطام الغواصة الأم، وظل ينجرف مع التيارات البحرية لعقود، حتى قذفته عاصفة نادرة إلى الشاطئ. كان قطعة من أحجية عمرها 80 عاماً تطفو على السطح لتقول: “أنا هنا”.

المحقق المسؤول عن القضايا الباردة أعاد فتح ملف سعيد المنصوري. باستخدام برامج حديثة لمحاكاة التيارات البحرية وخرائط الأعماق، قام بإدخال موقع غرق U-533 المعروف لدى الغواصين اليوم. ثم أدخل الوصف التقريبي للموقع الذي أشار إليه حمد في شهادته عام 1958. كانت النتيجة مذهلة: النقطتان تكادان تكونان متطابقتين.

لم يعد الأمر مجرد صدفة. الخيط الذي يربط بين الغواصة والغواص لم يعد رفيعاً، بل أصبح حقيقة مادية.

[صورة: لقطة مقربة لملف قضية قديم مفتوح على طاولة خشبية. تظهر أوراق صفراء، صورة بالأسود والأبيض لرجل إماراتي (الغواص)، وبجانبها خريطة بحرية قديمة عليها علامات.]

نظريات على طاولة التحقيق

اليوم، حطام U-533 حقيقة واقعة. إنه يرقد على عمق 108 أمتار، وهو موقع للغوص التقني العميق، مخصص للمحترفين فقط. الحطام متدهور وخطير، وتيارات الماء قوية. لم يتم استكشافه بالكامل أبداً. والآن، مع الأدلة الجديدة، وُضعت ثلاث نظريات رئيسية على الطاولة:

  1. نظرية الحادث المأساوي: هي النظرية الأبسط. وصل سعيد المنصوري، بقدرته الاستثنائية على الغوص، إلى عمق لم يصله غيره في ذلك الزمن، وعثر بالصدفة على حطام الغواصة. التقط أول ما استطاعت يده أن تصل إليه – سبيكة ذهبية – وعاد إلى السطح. وعندما غاص مرة أخرى، مدفوعاً بالجشع أو الفضول، حدث خطأ ما. ربما انهار جزء من الحطام وحبسه بالداخل، أو ربما أصيب بـ”سكر الأعماق” (تخدر النيتروجين) وفقد وعيه. موته كان مجرد حادث مأساوي، والسبيكة الثانية التي تحدث عنها حمد ضاعت معه في الأعماق.
  2. نظرية المؤامرة والقتل: هذه النظرية أكثر قتامة. ماذا لو لم يكن سعيد وحده من يبحث؟ أساطير الكنوز تجذب دائماً أخطر أنواع البشر. ربما كان هناك طرف ثالث يراقب الموقع منذ سنوات، ربما من بقايا شبكات الاستخبارات القديمة أو مجرد قراصنة كنوز. رأوا سعيداً يخرج بالسبيكة، وأدركوا أنه كشف سرهم. وعندما غاص مرة أخرى، لم يتركه القدر يموت، بل قاموا بقطع حبله والتخلص منه لإبقاء الكنز سراً لهم. هذا يفسر اختفاء السبيكة الأولى من القارب؛ ربما صعدوا على متنه وهددوا حمد لأخذها وإجباره على السكت.
  3. نظرية الشك والأسطورة: يرى المتشككون أن القصة بأكملها سلسلة من المصادفات المبالغ فيها. U-533 غرقت بالفعل، لكنها لم تكن تحمل أي كنز. سعيد المنصوري كان غواصاً ماهراً غامر في مكان خطير ولقي حتفه، وهذا يحدث. أما قصة السبيكة، فربما كانت مجرد قطعة نحاس لامعة من حطام الغواصة، وفي حماس اللحظة وخوف حمد، تحولت في الذاكرة إلى سبيكة ذهبية نازية. الصندوق الذي ظهر على الشاطئ هو مجرد قطعة أثرية مثيرة للاهتمام، لا أكثر.

كنز ملعون أم مجرد حبر على ورق؟

الملفات أُعيدت إلى الأرشيف مرة أخرى، لكن هذه المرة مع ملاحظة جديدة تربط بينهما. لم يعد غرق U-533 مجرد حادثة حربية، ولم يعد اختفاء سعيد المنصوري مجرد حادثة غوص. لقد أصبحا فصلين في نفس القصة الغامضة، قصة كنز رومل المفقود بنسخته الإماراتية.

حطام الغواصة لا يزال هناك، صامتاً في الأعماق، يحمل في جوفه الصدئ إجابات ربما لن تُعرف أبداً. هل هو مجرد قبر فولاذي لطاقمه البالغ 52 بحاراً؟ أم أنه خزنة لأحد أشهر الكنوز المفقودة في التاريخ؟ وهل كان سعيد المنصوري على وشك أن يصبح أغنى رجل في الخليج، أم أنه كان مجرد ضحية أخرى للبحر الذي أعطاه كل شيء ثم أخذ منه كل شيء؟

ما رأيك أنت؟ هل كان سعيد المنصوري على وشك كشف سر كنز رومل المفقود؟ أم أن قصته مجرد صدى مأساوي لحكاية أكبر منه؟ شاركنا نظريتك في التعليقات.

شارك المقال:
ألغاز تاريخية الإمارات الحرب العالمية الثانية قضايا باردة كنز مفقود

اترك تعليقاً

📱

ثبّت التطبيق

أضف قضية لشاشتك الرئيسية لتجربة أسرع