جاري تحميل القضية...

ابحث في القضايا

اضغط Enter للبحث أو Esc للإغلاق

جرائم حقيقية

وحش فيتيبسك: القاتل الذي خدع السوفييت 14 عاماً

· · 1 دقيقة قراءة · 2 مشاهدة
وحش فيتيبسك: القاتل الذي خدع السوفييت 14 عاماً

“قالوا إن الذئاب لا تدخل المدينة… لكنهم كانوا مخطئين. كان هناك ذئب يمشي بيننا على قدمين، يرتدي معطفاً وقبعة، ويقود سيارة حمراء كالدم”.

هذا ليس اقتباساً من رواية رعب، بل صدى لكلمات همست بها عجوز خائفة في غرفة تحقيق باردة بمدينة فيتيبسك، جمهورية بيلاروسيا السوفيتية، في منتصف السبعينات. كانت المدينة الرمادية الهادئة، التي تفخر بنظامها وأمنها الاشتراكي، على وشك أن تكتشف أن أعمق مخاوفها قد تجسّدت في هيئة إنسان. قصة سفاح فيتيبسك ليست مجرد قصة قاتل متسلسل، بل هي ملحمة مروّعة عن العدالة العمياء، والشهادات المكسورة، والرجال الأبرياء الذين دفعوا حياتهم ثمناً لجرائم لم يرتكبوها.

الصرخة الأولى في صقيع مايو

كل شيء بدأ في 14 مايو 1971. يوم ربيعي كان من المفترض أن يحمل معه الدفء، لكنه بدلاً من ذلك جلب صقيع الموت. على مشارف فيتيبسك، بالقرب من طريق ريفي موحل، عثر فتى كان يجمع الزهور البرية على جثة ليودميلا أندارالوفا. كانت مخنوقة، وآثار عنف وحشي تروي قصة نهايتها المأساوية. في الاتحاد السوفيتي، لم تكن مثل هذه الجرائم تُترك دون حل. كان الضغط هائلاً على الشرطة المحلية (الميليشيا) لإغلاق القضية بسرعة، فمعدلات الجريمة المنخفضة كانت من ركائز الدعاية السوفيتية.

بدأ المحققون عملهم بثقة. استجوبوا الأصدقاء، العائلة، وزملاء العمل. لكن كل خيط كانوا يتبعونه كان يقودهم إلى حائط مسدود. الشهادات الأولى كانت ضبابية كصباح فيتيبسك الشتوي.

شهادات من الظلال

“هل رأيت شيئاً غريباً تلك الليلة؟”، سأل المحقق شاباً كان يسكن بالقرب من مكان الحادث.

أجاب الشاب وعيناه تتجولان في أرجاء الغرفة: “سمعت صراخاً… لكنك تسمع الكثير من الأصوات في الريف ليلاً. ربما كانت ثعالب. نعم، لا بد أنها كانت ثعالب”.

شاهد آخر، سائق شاحنة، أقسم أنه رأى سيارة حمراء من طراز “زابوروجيتس” متوقفة على جانب الطريق في وقت متأخر من تلك الليلة. “كانت تقف هناك كأنها تنتظر أحداً. لم أر السائق جيداً، كان الظلام كثيفاً والضوء خافتاً”.

سيارة حمراء… صراخ مكتوم… شهادات متناقضة. اعتبرتها الشرطة في البداية مجرد تفاصيل غير مهمة في قضية عنف عشوائية. لم يكونوا يعلمون أنهم قد سمعوا للتو النوتات الأولى في سيمفونية الموت التي ستعزف في مدينتهم لأربعة عشر عاماً قادمة.

أشباح على الطريق السريع

مرّت أشهر، ثم سنوات. وبدأت الجثث تتراكم. كانت الضحايا دائماً من النساء، شابات كنّ يسافرن بمفردهن أو يسرن على الطرقات الريفية ليلاً. وكان القاسم المشترك بينهن هو نفسه: الخنق، والاعتداء، ومكان الجريمة بالقرب من طريق سريع. بدأ الهمس ينتشر بين الناس، همس عن “الوحش” الذي يطارد طرقات فيتيبسك.

الخيط الوحيد الذي تمسكت به الشرطة كان شهادة السيارة الحمراء. تحولت سيارة “زابوروجيتس”، السيارة الشعبية الصغيرة التي كانت رمزاً للحياة السوفيتية البسيطة، إلى عربة للموت في أذهان المحققين. بدأوا حملة ضخمة: تفتيش كل مالك لسيارة زابوروجيتس حمراء في المنطقة. تحولت حياة الآلاف إلى جحيم. كان كل رجل يمتلك تلك السيارة مشتبهاً به تلقائياً.

[صورة: وصف مقترح] صورة بالأبيض والأسود لسيارة زابوروجيتس حمراء قديمة الطراز، متوقفة على طريق ريفي موحل وموحش تحيط به أشجار الصنوبر العارية، والضباب يلف المشهد.

حينما يصبح كل رجل مذنباً

كانت التحقيقات أشبه بعملية صيد عمياء. كان المحققون تحت ضغط هائل من موسكو. كان لا بد من العثور على مذنب، أي مذنب. في هذا المناخ المسموم، بدأت الشهادات تتشكل بفعل الخوف والضغط، لا بفعل الحقيقة.

  • شاهد (أ): “نعم، رأيت فلاديمير يقود سيارته الحمراء تلك الليلة. كان يبدو متوتراً”. (بعد أيام من الاستجواب المكثف).
  • شاهدة (ب): “أعتقد أنني لمحته يتحدث مع الفتاة عند محطة الحافلات. لست متأكدة… لكن المحقق قال إن هذا سيساعد”.
  • شاهد (ج): “كان دائماً غريب الأطوار. هادئ جداً. الهدوء الذي يسبق العاصفة، كما يقولون”.

تحولت الشائعات إلى حقائق، والشكوك إلى أدلة. وفي كل مرة، كانت الشرطة تعلن بفخر أنها قبضت على سفاح فيتيبسك. وفي كل مرة، كانوا مخطئين بشكل مأساوي.

وجوه بريئة في قفص الاتهام

القصة الحقيقية المرعبة ليست فقط عن القاتل، بل عن الرجال الأربعة عشر الذين أدينوا بجرائمه. لم يكونوا مجرد أرقام في ملف قضية، بل كانوا آباء وأزواجاً وأبناءً، حيواتهم سُحقت تحت وطأة نظام قضائي مهووس بالإحصائيات أكثر من العدالة.

خذ على سبيل المثال قضية نيكولاي تيرينيا. عامل بسيط تم القبض عليه بتهمة إحدى جرائم القتل. تعرض لأسابيع من الاستجواب المتواصل، حيث الحرمان من النوم والتهديدات لعائلته كانت جزءاً من الروتين اليومي. في النهاية، انهار واعترف بجريمة لم يرتكبها. كان اعترافه مليئاً بالتناقضات، لكن المحققين تجاهلوها. لقد حصلوا على ما يريدون: إغلاق ملف القضية.

“فعلت ذلك. أنا قتلتها… أردت فقط أن ينتهي كل هذا. أردت أن أرى زوجتي مرة أخرى، حتى لو كان ذلك من وراء القضبان. لم أكن أعرف أنهم سيحكمون عليّ بالإعدام”.

– من اعترافات مُنتزعة من أحد المتهمين الأبرياء.

أُعدم نيكولاي تيرينيا رمياً بالرصاص. بينما كان القاتل الحقيقي طليقاً، يقرأ عن “إنجازات” الشرطة في الصحف ويبتسم. والأسوأ من ذلك كله؟ كان يعيش حياة مزدوجة صادمة. كان جينادي ميخاسيفيتش، العامل في مصنع، الزوج والأب لطفلين، عضواً في الحزب الشيوعي، ومتطوعاً في دوريات الشرطة الشعبية (دروزينيكي). كان يشارك أحياناً في التحقيقات المتعلقة بجرائمه هو!

رسالة من الجحيم… أم خدعة شيطانية؟

بحلول أوائل الثمانينات، وصل عدد الضحايا إلى أكثر من ثلاثين. كانت فيتيبسك تعيش في رعب دائم. كانت الشرطة في حيرة تامة. لقد “حلوا” القضية مراراً وتكراراً، لكن الجثث استمرت في الظهور. هل كان هناك جيش من القتلة؟ أم أنهم كانوا يطاردون الشبح الخطأ؟

في عام 1985، حدث تطور غريب. وصلت رسالة مجهولة إلى صحيفة “فيتيبسكي رابوتشي” المحلية، مكتوبة بخط يد مهتز. كانت الرسالة تحمل توقيع “وطنيو فيتيبسك”، وكانت بمثابة إعلان حرب.

“أيها الخونة الشيوعيون! أنتم تعتقلون وتعدمون الأبرياء بينما المقاتل الحقيقي من أجل العدالة، أنا، ما زلت طليقاً. هؤلاء النساء الفاسقات اللاتي أقتلهن يستحققن مصيرهن. الموت للخونة والنساء المنحلات!”

أحدثت الرسالة انقساماً حاداً بين المحققين. اعتبرها البعض خدعة سخيفة تهدف إلى تضليل التحقيق. لكن محققاً شاباً وجديداً على القضية، يُدعى نيكولاي إجناتوفيتش، رأى فيها شيئاً آخر. رأى فيها غرور القاتل، ثقته الزائدة التي قد تكون بداية نهايته. لقد كانت أول لمحة حقيقية داخل عقل الوحش، وكان إجناتوفيتش يعلم أن هذا هو الخيط الذي يجب أن يتبعه.

[صورة: وصف مقترح] لقطة مقربة لنسخة من الرسالة المكتوبة بخط اليد باللغة الروسية، موضوعة تحت ضوء مصباح مكتبي خافت، مما يبرز الكلمات الغاضبة والحبر الداكن على الورق الأصفر القديم.

الخيط الأحمر الذي كشف الوحش

تولى إجناتوفيتش زمام المبادرة. تجاهل كل “الاعترافات” السابقة وبدأ من الصفر. كان يؤمن بشيئين: أن القاتل يمتلك سيارة زابوروجيتس حمراء، وأن خط يده في الرسالة هو بصمته الحقيقية. أطلق أكبر عملية فحص خط يد في تاريخ الشرطة السوفيتية. أمر بجمع عينات خط يد من أكثر من نصف مليون رجل في منطقة فيتيبسك.

كانت مهمة مستحيلة، أشبه بالبحث عن إبرة في كومة قش بحجم سيبيريا. لكن بعد أشهر من العمل المضني، حدثت المعجزة. تطابقت إحدى العينات مع خط يد الرسالة. كانت العينة تخص رجلاً لم يكن على قائمة المشتبه بهم. رجل ذو سجل نظيف، وسمعة طيبة، ومكانة محترمة في مجتمعه.

اسمه: جينادي ميخاسيفيتش.

في 9 ديسمبر 1985، طرقت الشرطة باب منزله. كان هادئاً ومتعاوناً بشكل مخيف. عندما واجهوه بالرسالة، انهار. سقط القناع الذي ارتداه لمدة 14 عاماً. في منزله، عثروا على مقتنيات تخص العديد من الضحايا، تذكارات مروعة احتفظ بها من كل جريمة.

الستار يسقط: من هو سفاح فيتيبسك؟

اعترف ميخاسيفيتش بكل شيء. روى بهدوء تقشعر له الأبدان تفاصيل 36 جريمة قتل. بدأ كل شيء، كما قال، بعد أن تركته صديقته الأولى في عام 1971. قرر الانتقام من كل النساء. كان يرى نفسه “منظفاً” للمجتمع، يعاقب النساء اللاتي اعتبرهن “فاسقات”. كانت سيارته الحمراء هي فخه، حيث كان يعرض على ضحاياه توصيلة قبل أن يقودهن إلى حتفهن.

في عام 1987، حُكم على جينادي ميخاسيفيتش بالإعدام وأُعدم في العام التالي. لكن قصته لم تنتهِ عند هذا الحد. لقد كشفت قضيته عن فساد وجنون نظام بأكمله. تم التحقيق مع أكثر من 200 من ضباط الشرطة والمحققين والمدعين العامين الذين شاركوا في الإدانات الخاطئة. تمت تبرئة الرجال الأبرياء، لكن بالنسبة للكثيرين، جاءت العدالة متأخرة جداً. لقد قضوا سنوات في معسكرات العمل الشاق، وواحد منهم، نيكولاي تيرينيا، دفع حياته ثمناً لجريمة الوحش الحقيقي.

قصة سفاح فيتيبسك تتركنا مع سؤال أكثر برودة من شتاء روسيا. سؤال لا يتعلق بالوحش الذي كان يقود سيارة حمراء، بل بالنظام الذي سمح له بالصيد بحرية بينما كان يطارد الأشباح الخطأ.

بعد كل هذه الشهادات المتضاربة والاعترافات المنتزعة، هل كان الذنب يقع على السفاح وحده، أم أن النظام الذي سمح بسقوط كل هؤلاء الأبرياء شريك له في الجريمة؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

شارك المقال:
الاتحاد السوفيتي تحقيقات غامضة جريمة حقيقية سفاح فيتيبسك قاتل متسلسل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

📱

ثبّت التطبيق

أضف قضية لشاشتك الرئيسية لتجربة أسرع