“كتبتُ هذا بيدٍ ترتجف، والحبر يكاد يمتزج بعرق جبيني البارد… لستُ وحدي في هذه المدينة، رغم أني لم أرَ بشريًا واحدًا. هناك شيءٌ ما في الخارج. شيءٌ يتنفّس الصمت.”
بهذه الكلمات المذعورة، تنتهي مخطوطة سليمان البصري، التاجر العباسي الذي قادته أحلام الثراء في القرن التاسع الميلادي إلى أقاصي بلاد الصين. لم يكن سليمان رجل أساطير، بل رجل أرقام وصفقات. لكن ما دونه في يومياته عن لغز ميناء اليشم، حوّله من تاجر جريء إلى شاهد على رعب لا يمكن للعقل أن يستوعبه.
مدينة من ذهب… بلا سكان!
بعد رحلة شاقة عبر طريق الحرير، وصل سليمان أخيرًا إلى ميناء اليشم الأسطوري. كانت السمعة تسبقه: مدينة تفوح منها رائحة التوابل والمسك، وأسواقها تفيض بالحرير والكنوز. وبالفعل، كانت المدينة أغنى مما تخيل. كانت البيوت فخمة، والمخازن مليئة بالبضائع، حتى أن أوعية الطعام النحاسية كانت تلمع على المواقد كما لو أن أصحابها تركوها للتو.
لكن كان هناك شيء واحد ناقص… شيء مريع: الناس. لم يكن هناك صوت طفل يضحك، أو بائع ينادي على بضاعته، أو حتى همس يخرج من البيوت المفتوحة. كانت المدينة صامتة صمت القبور.
تجول سليمان في الشوارع المبلطة، وقلبه يدق بعنف مع كل خطوة. وجد الطعام لا يزال دافئًا على الطاولات، وقطع القماش الحريرية ممدودة على الأنوال كأن الحائك سيأتي ليكمل عمله بعد قليل. الشيء الوحيد الذي كسر رتابة المشهد هو تلك القصاصات الورقية الحمراء الغريبة المعلقة على كل باب، وعليها رموز لم يفهمها. “خرافات أهل المشرق”، تمتم لنفسه، محاولًا طمأنة عقله المنطقي.
[صورة: منظر بانورامي لميناء صيني قديم عند الغروب، الأسطح المبلطة فارغة والفوانيس الحمراء تتمايل بصمت في الهواء البارد.]
ليلة في الجحيم الصامت
مع غروب الشمس، تحول الصمت إلى وحش يتربص في الظلال. قرر سليمان أن ينتظر حتى الصباح في أحد بيوت الشاي الفاخرة، وأغلق الباب خلفه بالمتاريس. كان الهواء ثقيلاً وباردًا. ومن بعيد، بدأ صوتٌ خافت… صوت طبول بطيئة، قادمة من مكان سحيق تحت الأرض.
ارتجف سليمان، وأطفأ الشمعة، واختلس النظر من شق في النافذة الخشبية. كانت الفوانيس الحمراء المتدلية في الشارع تتوهج بلون الدم، وترسم ظلالًا طويلة راقصة بدت كأشباح تتلوى. فجأة، توقفت الطبول.
وحلّ الصمت الأعظم.
صمتٌ أثقل من أي ضجيج، صمتٌ حيٌّ له وزن. شعر سليمان بشيء هائل يتحرك في الخارج. لم يكن له صوت خطوات، بل كان حضوره يضغط على الهواء نفسه. رأى ظلًا عملاقًا يمر فوق أسطح المنازل، يحجب ضوء القمر لثوانٍ بدت كالأبدية. اهتز المبنى الذي يختبئ فيه اهتزازًا خفيفًا، وسمع صوتًا أشبه بمرور ريح عاتية، لكن الهواء كان ساكنًا تمامًا. كان هذا هو “الشيء” الذي يتنفس الصمت.
الكشف: أسطورة التنين الصامت
عندما بزغت خيوط الفجر الأولى، عاد كل شيء لطبيعته بلمح البصر. امتلأت الشوارع بالناس، وعلت أصوات الباعة، وعادت الحياة للمدينة كأن شيئًا لم يكن. خرج سليمان من مخبئه، شاحب الوجه، يرتجف. وجد مُترجمه، الرجل العجوز الذي كان ينتظره عند بوابة المدينة، وسأله في هلع عما حدث.
نظر إليه المترجم بوجه خالٍ من التعابير وقال بصوت خفيض: “لقد نجوت من ليلة التنين الصامت”.
لم يكن ميناء اليشم مدينة مهجورة. بل كانت مدينة تؤدي طقسًا مرعبًا للبقاء. تقول الأسطورة إن “التنين الصامت”، وهو روح قديمة تحرس ثروات المدينة، يستيقظ مرة كل عام ليتفقد مملكته. لكن هذا التنين لا يرى، بل يشعر بالوجود. أي صوت، أي حركة، أي نفس… هو بمثابة دعوة له ليلتهم روح صاحبه ويمحوه من الوجود.
- الطقس السنوي: في تلك الليلة، يختبئ كل سكان المدينة في أقبية سرية عازلة للصوت تحت بيوتهم.
- قانون الصمت: يلتزمون بالصمت المطلق، لا يتحركون، ويكادون لا يتنفسون، مقدمين مدينتهم كقربان فارغ لروح التنين.
- الأوراق الحمراء: لم تكن تمائم حماية، بل علامات تشير إلى أن سكان هذا البيت يشاركون في طقس “اللاوجود”، وأنهم يهدون صمتهم للتنين.
[صورة: لقطة مقرّبة لتمثال تنين صيني حجري على زاوية أحد المعابد، تبدو عيناه وكأنهما تراقبان الشارع الخالي في الظلام.]
لقد نجا سليمان لأنه كان غريبًا، ولم يكن جزءًا من هذا العهد الدموي. لقد نجا لأن حظه العاثر جعله يختبئ في صمت، دون أن يدري أنه كان يطبق شروط النجاة الوحيدة في ليلة لا ترحم. لقد كان لغز ميناء اليشم ليس في اختفاء الناس، بل في طريقتهم المروعة للبقاء على قيد الحياة.
هل نجا سليمان حقًا؟
يوميات سليمان التاجر تنتهي بتلك الكلمات المرتجفة التي بدأنا بها. لا أحد يعرف ما حلّ به بعد مغادرته ميناء اليشم فجرًا. هل ما رآه كان حقيقة، أم أن عقله نسج هلوسة من إرهاق السفر وثقافته المختلفة؟ الأهم من ذلك… لو كنت مكانه، هل كنت ستجرؤ على كسر الصمت؟ شاركنا رأيك في التعليقات.